الثانوية الإلكترونية الدروة

ظاهرة الاحتباس الحراري

2008/4/5

الاحترار العالمي يؤثر فينا جميعا، غير أن تأثيره فينا يتباين
بقلم: بان كي ـ مون (الأمين العام للامم المتحدة)

بينما تجتمع بلدان مجموعة الثمانية الصناعية في هيليجندام، انقسمت القوى التي حشدت جهودها لمكافحة الاحترار العالمي الى معسكرين متنافسين. فألمانيا وبريطانيا تريدان إجراء محادثات عاجلة بشأن إبرام معاهدة جديدة عن تغير المناخ تدخل حيز النفاذ عند انتهاء صلاحية بروتوكول كيوتو في عام 2012. وهما تتحدثان عن ضرورة اتخاذ تدابير صارمة لوضع حد لانبعاثات الكربون وحصر ارتفاع حرارة الكرة الأرضية بدرجتين مئويتين على امتداد العقود الأربعة القادمة. أما الولايات المتحدة، التي تعرض مبادرة وضعتها بنفسها، فإنها تعارض ما تعتبره أهدافا وجداول زمنية اعتباطية.

مصيرنا أن نرى كيفية تطور هذا الأمر. لكن في الوقت الذي يدور فيه النقاش بين الولايات المتحدة وأوروبا، تبقي هناك بعض الحقائق الأساسية التي لاتقبل الجدل. أولا، إن العلم واضح. فارتفاع حرارة الأرض أمر جلي لا لبس فيه، والسبب الرئيسي وراءه هو نحن البشر. وكل يوم يأتينا بأدلة جديدة علي ذلك، سواء كان مصدرها آخر تقارير منظمة غرين بيس (السلام الأخضر) المتعلق بانحسار البحيرات الجليدية لجبل ايفرست، أو الاكتشاف، الأسبوع الماضي، أن المحيط المتجمد الجنوبي ما عاد قادرا على امتصاص ثاني أوكسيد الكربون. تأملوا مايلي: إن أوسع مخزن لامتصاص الكربون أصبح مليئا الى أقصاه.

ثانيا، آن أوان التحرك. فتكلفة عدم التحرك، وهذا أمر يتفق عليه معظم علماء الإقتصاد، ستتخطى تكلفة التحرك المبكر، لربما بأضعاف الأضعاف. قد تكون أولا تكون للأضرار التي خلفها إعصار كاترينا على مدنية نيو أورليتر أي علاقة بالاحترار العالمي، لكنه تنبيه مفيد الى الأثار المالية والاجتماعية التي يتركها التأخر في التحرك. ومن البديهي أيضا أنه ما عاد في وسعنا تحمل نتائج عرض خياراتنا الى ما لانهاية. إن حل اليوم، وهو تبادل الحقوق في إطلاق انبعاثات الكربون، ليس إلا أحد الأسلحة التي في حوزتنا. ويتعين أن تتضمن استراتيجيتنا الطويلة الأجل استحداث تكنولوجيا جديدة وحفظ الطاقة وتنفيذ مشاريع التشجير وصنع وقود متجدد، الى جانب إنشاء أسواق خاصة وإلى جانب التكيف مع آثار الاحترار.

ففي نهاية المطاف، لتخفيف آثار الاحترار حدود لايمكن تخطيها. وثمة حقيقة ثالثة، وهي، في رأيي، أهم الحقائق كلها. إنها مسألة أساسية تتمثل في الإنصاف، إنها مسألة قيم، وهي تأتي في عداد الواجبات الأخلاقية السامية في عصرنا هذا. إن الاحترار العالمي يؤثر فينا جميعا، غير أن تأثيره فينا يتباين. فالبلدان الغنية تمتلك الموارد والدراية الفنية للتكيف مع آثاره. في حين أن المزارع الأفريقي الذي يخسر محصوله أو قطيعه بسبب الجفاف والزوابع الرملية، أو أحد سكان جزيرة توفالو الذي يشعر بالخوف من احتمال غمر المياه قريته، هو أقل مناعة بكثير. إن الانقسام بيِّن: الأغنياء ـ الفقراء ـ الشمال ـ الجنوب. لنقلها بصريح العبارة، لايمكن للحلول التي تقترحها البلدان المتقدمة لوضع حد للاحترار العالمي أن تكون على حساب الجيران الأقل حظا على هذا الكوكب. وإلا كيف يتسنى لنا تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية المتمثلة في خفض نسبة الفقر بالنصف، التي وضعناها بكل جدية في الاجتماعات السابقة لمجموعة الثمانية، إذا لم تحترم تطلعات البلدان النامية لأخذ حصة أكبر من الإزدهار الذي يشهده العالم؟

ينبغي للبعد الإنساني أن يحكم كل المسائل التي يتعين علينا نحن شعوب العالم أن نواجهها معا، من بينها تغير المناخ. أعتبر ذلك واجبا، بل وامتدادا لالتزامي المقدس المتمثل في حماية الأساس الذي قامت عليه الأمم المتحدة. كل يوم، أمر في بهو مقر الأمم المتحدة في نيويورك حيث يعرض حاليا أشهر المصورين الصحافيين في العالم أعمالهم. إنهم يلتقطون صورا لأناس ويُسمعون أصوات أناس غالبا ما لا يُرون ولا يُسمعون، أناس من جميع أنحاء العالم، يعيش العديد منهم في ضائقة يومية خانقة، يزيدها سوءا تغيرُ المناخ.

إن نقاشاتنا في مجلس الأمن، التي كثيرا ما تكون كناية عن أعمال مملة تدار في جو من الديبلوماسية غير الشفافة، تنبض فيها الحياة فجأة ـ وللحظات تصبح بعيدة كل البعد عن الدبلوماسية. أذكر واقعة حدثت أثناء إحدى المناقشات في شهر نيسانأبريل، حينما علا صوت ممثل ناميبيا، في معرض حديثه عن تصوره لأخطار تغير المناخ، قائلا: »إن المسألة ليست مسألة بحث أكاديمي، إنها مسألة حياة أو موت لبلدي«.

ووصف ممثل ناميبيا كيف أن صحراء ناميب وصحراء كالاهاري تزحفان وتدمران المزارع وتحولان مناطق بأكملها إلى مناطق يتعذر السكن فيها. وهذا ما دفعني إلى التفكير ببلدي، كوريا، التي تختنق أكثر فأكثر بالزوابع الرملية الآتية من صحراء غوبي لتعصف فوق البحر الأصفر. وأضاف ممثل ناميبيا أن وباء الملاريا ينتشر في مناطق لم تكن تعرفه من قبل. وأن أنواعا من النبات والحيوان تختفي في أرض كانت مشهورة لتنوعها الأحيائي.

والبلدان النامية، مثل بلده، تتعرض أكثر فأكثر إلى ما شبهه بـ»الحرب البيولوجية أو الكيميائية الخفيفة«.

إن هذه لمشاعر مؤثرة، منبعها الحياة وليس الخيال. ومن المهم لسكان البلدان المتقدمة الإصغاء وبالتالي التحرك في ضوء ذلك. هذه هي الرسالة التي سأوجهها على امتدا الأيام القادمة في هيليجندام. لذلك، سأعلن قريبا عن عقد اجتماع خاص رفيع المستوى لمعالجة تغير المناخ، وذلك في نيويورك في شهر سبتمبر قبل اجتماع الجمعية العامة السنوي، وهذا ما دعت إليه بنغلاديش وهولندا والنرويج والبرازيل وسنغافورة وبربادوس وكوستاريكا. ولذلك أيضا عينت مؤخراً ثلاثة مبعوثين خاصين تتمثل مهمتهم في الدفاع عن مصالح أكثر البلدان تأثرا بتبعات تغير المناخ والإعراب عن مشاغلها، هذه البلدان التي تشكل موطنا للغالبية العظمى من سكان العالم.

إني أرحب بإعلان الرئيس جورج بوش مؤخرا أنه سيطلق هو أيضا مبادرة بشأن تغير المناخ. وأحث على اطلاق هذه المبادرة في إطار المناقشة العالمية الذي وضعته الأمم المتحدة، بحيث تتكامل أعمالنا ويعزز كل منها الآخر. وفي ديسمبر، سيجتمع قادة العالم من جديد في بالي للبناء على ما يكون قد تقرر في ألمانيا هذا الأسبوع وفي الاجتماعات اللاحقة.

لكن دعونا نتذكر، أن أي اتفاق غير عالمي النطاق تبرمه مجموعة الثمانية، لا يؤمل منه تقديم حلول لمشكلة عالمية. لقد آن الأوان لاعتماد طريقة جديدة في التفكير وفي إشراك الجميع. ولا يجوز لنا بعد الآن أن نمضي في أعمالنا وكأن شيئا لم يكن.

http://www.alalam.ma/article.php3?id_article=18703

الصفحة الأخيرة | صفحة 17 من 30 | الصفحة التالبة

الأصدقاء